أحلى إعدادية

أهلا بكم فى منتديات أحلى إعدادية .. نتمنى لك قضاء وقت ممتع فى منتدانا .. اذا كنت لا تود بالمشاركة معنا فلا تقوم بالتسجيل .. Mr.Wahid


    المامرة التى قتلت مى زيادة

    شاطر
    avatar
    mai shaker

    عدد المساهمات : 151
    تاريخ التسجيل : 08/10/2010
    العمر : 19
    الموقع : maishaker66@gmail.com

    المامرة التى قتلت مى زيادة

    مُساهمة من طرف mai shaker في الخميس 23 يونيو 2011, 4:36 pm

    تراءت أمامي جملة موجعة كتبتها مى بخط يدها قبل الرحيل:
    أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني!

    زمن ميّ هو ذلك الزمن الجميل .. وكانت هي زهرة هذا الزمان .. والمرأة الوحيدة التي تألقت وتفردت وسط باقة من العمالقة الرجال في عصر لم يكن مسموحا للمرأة بأن تخرج للحياة العامة. ولم يكن متاحاً لها أن تلتقي بالرجال في ندوات ثقافية أو ملتقيات أدبية.
    كانت ميّ ظاهرة أدبية.. ثقافية .. أنثوية
    تراءت أمامي جملة موجعة كتبتها مى بخط يدها قبل الرحيل:
    أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني!

    زمن ميّ هو ذلك الزمن الجميل .. وكانت هي زهرة هذا الزمان .. والمرأة الوحيدة التي تألقت وتفردت وسط باقة من العمالقة الرجال في عصر لم يكن مسموحا للمرأة بأن تخرج للحياة العامة. ولم يكن متاحاً لها أن تلتقي بالرجال في ندوات ثقافية أو ملتقيات أدبية.
    كانت ميّ ظاهرة أدبية.. ثقافية .. أنثوية

    وكان قدرها أن تصاحب الوحدة منذ طفولتها المبكرة .. ثم في نهايات أيامها المأساوية . وبينهما عاشت سنوات المجد والشهرة والتألق والنجاح .. سنوات عاشت فيها تحت الأضواء والناس من حولها . ورغم كل هذا كانت تعيش وحدة من نوع آخر .. وفراغ نفسي وعاطفي وروحي شديد القسوة.


    ولدت ميّ أو ماري إلياس زيادة وهذا هو اسمها الحقيقي في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1886 لأب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية .. وقضت سنوات عمرها الأولى في مدارس داخلية في لبنان , ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر في عام 1908 .. كان عمرها اثنين وعشرين عاماً .. فتاة في ريعان الشباب .. وظلت في مصر – التي كانت تعتبرها وطنها الأساسي- حتى توفيت في 18 اكتوبر عام 1941 .


    لن أحدثكم عن غصة مي وشعورها بعدم انتمائها إلى إي بلد من البلدان الثلاثة لبنان فلسطين مصر

    ولا عن قدومها مع والدها إلى مصر التي احتضنت نبوغها الفكري حيث أصبح ظاهر أدبية يجتمع حولها كبار الأدباء في صالون مي الأدبي

    أو عن قصة الحب الغريبة العجيبة التي لم يعشها في هذا الكون ربما سوى مي و جبران والتي استمرت لمدة تسعة عشر عاما من الوفاء والعذاب
    الإشتياق والحرمان...اللقاء والفراق.. فقط على الورق

    ولاعن مواقف هؤلاء الرجال الذين لم ينصفوها ولم يعرفوها من الداخل
    فقد انبهروا بسحرها الخاص ونسوا الإنسانة والمبدعة

    سأتحدث عن المؤامرة التي وقعت مي في شباكها
    وكانت السبب في مأساتها


    الفصل الأخير في حياة مي كان حافلاً بالمواجع والمفاجآت ! بدأ بفقد الأحباب واحداً تلو الآخر .. والدها عام 1929 . جبران عام 1931 . ثم والدتها عام 1932 .

    وعاشت مي صقيع الوحدة .. وبرودة هذا الفراغ الهائل
    فسافرت في عام 1932 إلى انجلترا أملاً في أن تغيير المكان والجو الذي تعيش فيه ربما يخفف قليلاً من آلامها .. لكن حتى السفر لم يكن الدواء .. فقد عادت إلى مصر ثم سافرت مرة ثانية إلى إيطاليا لتتابع محاضرات في جامعة بروجية عن آثار اللغة الإيطالية .. ثم عادت إلى مصر .. وبعدها بقليل سافرت مرة أخرى إلى روما ثم عادت إلى مصر حيث استسلمت لأحزانها .. ورفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة .. وأنها في حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك من جديد .

    وجلست مي المليئة بالشفافية وحسن النية بالبشر تكتب إلى ابن عمها الدكتور جوزيف في لبنان وتخبره بحالتها ..

    يعرف الدكتور – ابن العم – بأن مي تنوي التبرع بمكتبتها النفيسة إلى الأمة المصرية بعد وفاتها عرفاناً منها بفضل مصر عليها .. كما أرادت أن تهدي النسخ المزدوجة من كل كتاب إلى الأمة اللبنانية .. وبدأت فعلاً تبحث عن المحامين لوضع هذه الوصية في سياق قانوني . فما كان من الأقارب الذين تحولوا في هذه الحالة إلى "عقارب" إلا أن أرسلوا إلى " مي" من يجمع المعلومات عنها .. وعن وضعها المالي وأملاكها في مصر !
    حتى جردوها من كل شيء


    ثم جاءها ابن عمها من لبنان بعد وفاة زوجته التي كانت مريضة .. وطلب منها أن تصحبه إلى لبنان لتغير جو الكآبة الذي تعيش فيه .. ووعدها بأن الدفء والناس الذين يحبونها في لبنان سيعوضونها عن فقد الأحباب ومشاعر الوحدة التي تعيشها في مصر بعد الحياة المليئة التي كانت تعيشها كنجمة في سماء الأدب

    حيث استطاع ابن عمها أن يأخذها إلى بيروت
    على أن تعود إلى بيتها بعد شهرين وأنها لن تبقى وحيدة في لبنان بل ستكون محاطة بعائلتها

    وتكمل مي من قصتها الباكية .. بعد سنوات المجد والشهرة .. فتقول :
    أخرجوني من بيتي قبل الساعة الرابعة بعد الظهر وأوصلوني إلى مكاني في القطار وغابوا عني فبقيت جالسة حتى عاد الدكتور والرجلان الآخران . وعندئذ قام القطار إذ نحن في منتصف الساعة السادسة . ومنذ الأسبوع الأول في بيروت ذكرت الدكتور بوعده وقلت إني أرغب في الرجوع إلى بيتي . فطيب خاطري .. وأبقاني عنده شهرين ونصف شهر على مضض مني وأنا أطالبه بالعودة . حتى استكمل برنامجه في أمري , فأرسلني إلى " العصفورية

    بحجة التغذية وباسم الحياة ألقاني أولئك الأقارب في دار المجانين أحتضر على مهل وأموت شيئاً فشيئاً . لست أدري إذا ما كان الموت السريع هيناً . أما الموت البطيء طيلة عشرة شهور وأسبوع من التغذية القهرية تارة من الفم بتقطيع لحمة الأسنان وطوراً من الأنف بواسطة التبريح ليصب ما يصب من الداخل نزولاً إلى الحلق فالصدر . فذلك موت لا أظن أن إنساناً يحتمل الإصغاء برباطة جأش إلى وصفه . ومع ذلك فكان أقاربي في زيارتهم النادرة يستمعون إليّ بسرور وأنا أصف نكالي وشقائي راجية منهم عبثاً أن يرحموني ويخرجوني من العصفورية .



    وجاء الفرج أخيراً بعد عامين من أقسى العذاب . جاء الفرج على يد الصحافة والصحفيين من أبناء مهنتها .. فقد كانت قضية إدخال مي زيادة مستشفى الأمراض العقلية " العصفورية" هي حديث الصحف والموضوع الذي يحتل مساحة كبيرة من اهتمام القراء في بيروت والقاهرة وأيضاً في بلاد المهجر . وشنت جريدة " المكشوف" حملة كبيرة حول هذا الموضوع .. وتابعت قصة مي خطوة بخطوة حتى استطاعت في عام 1938 أن تكشف المؤامرة ونشرت في الصفحة الأولى :

    بدأت مي تتكلم بلغة فصحى ممزوجة باللهجة المصرية , وبطلاقة لسان مدهشة . وأوقع شيء في النفس كان صوتها العذب , وإخراجها الكلمات هادئة بنبرات موسيقية حزينة .




    ويجيء أصعب موقف في حياة مي !

    تقف في " ست هول" بالجامعة الأمريكية في بيروت لتلقي محاضرة أمام جمهور غفير من قرائها الذين جاءوا بدافع الفضول , يريدون معرفة الحقيقة بأنفسهم بعد كل ما قيل وكتب عن مأساة مي وجنونها .


    ولم تكد مي تنتهي من محاضرتها التي سحرت الجمهور انبهاراً بقدراتها التحليلية , وثقافتها الطاغية , وملكاتها الناطقة في ربط الأفكار التي تطرحها بعضها ببعض ببساطة , ورؤيتها الحكيمة السابقة لعصرها . حتى ضجت القاعة بالتصفيق المتواصل الذي يفيض بالحماس والوفاء والتعاطف مع الأديبة والمفكرة المظلومة !

    انتصرت مي في هذه الجولة الصعبة .. ولكن الشروخ التي أصابت نفسها وقلبها ازدادت عمقاً . والإحساس بالأسى سيطر عليها وتمكن منها


    وانقضت الساعة الثامنة الكاملة الكاملة بدقائقها وثوانيها , وهي تلقي الدرر , وترصع جيد اللغة العربية بجواهر من الزمرد والياقوت والماس . فضج كل من في القاعة ضجة الإكبار والتعظيم , ووثبت القلوب واهتزت الجدران للتصفيق الداوي المستمر الذي لم تشأ الأيدي أن تكف عنه , وأخذ الناس يقول بعضهم لبعض : أتكون هذه الفتاة مجنونة وقد جننا بها , وإذا كانت هي المجنونة فهل نحن العقلاء ؟!.


    هكذا جاءت كلمة الحق أخيراً بعد أن تأخرت كثيراً .. وحاولت مي بعد ذلك لملمة نفسها التي بعثرتها الكوارث المتلاحقة في الفصل الأخير من حياتها .


    عادت مي عام 1939 إلى مصر بعد ثلاثة سنوات من العذاب قضتها في لبنان في مستشفى العصفورية لمدة عامين , ثم في مستشفى "ربيز" ثم في منزل ببيروت .



    وبدأ الانسحاب التدريجي من الحياة .. بفقدان الرغبة في كل شيء الطعام .. الشراب.. الحياة الاجتماعية . وهزل الجسد .. وبدأت أجهزته تصاب بالإنهيار إلى أن خمدت ودخلت مي في غيبوبة .. ونقلت إلى مستشفى المعادي بالقاهرة حيث بذلت جهود مكثفة من الأطباء لإنقاذ حياتها .. لكن القدر كان قد كتب كلمته .. ونفذت إرادة الله .. وفاضت روح مي الطاهرة في التاسع عشر من اكتوبر عام 1941 .


    وبهذا انتهت قصة حياة إنسانة فريدة في كل شيء ! في طفولتها البائسة .. في شبابها المتوهج بالعبقرية والنجاح والشهرة .. في حبها المحروم .. في انسحاب الحياة بكل جمالها وبريقها من تحت قدميها فجأة .. ثم في نهايتها المأساوية التراجيدية المحزنة .

    وهي قصة لسيرة حياة تستحق أن تروى .. وأن تقرأها الأجيال ...!

    لكنها تركت رصيداً أدبياً يعد ثروة حقيقية تعكس قيمة هذه الأديبة الفريدة .

    فقد تركت مي حوالي أربعة عشر كتاباً هي :

    باحثة البادية " عن ملك حفني ناصف" - عائشة التيمورية - بين المد والجزر - سوانح فتاة - الصحائف - كلمات وإشارات - ظلمات وأشعة - ابتسامات ودموع - أزاهير حلم " شعر بالفرنسية" - المساواة - وردة اليازجي - غاية الحياة - الوفاء في العذاب - رجوع الموجة

    وكان قدرها أن تصاحب الوحدة منذ طفولتها المبكرة .. ثم في نهايات أيامها المأساوية . وبينهما عاشت سنوات المجد والشهرة والتألق والنجاح .. سنوات عاشت فيها تحت الأضواء والناس من حولها . ورغم كل هذا كانت تعيش وحدة من نوع آخر .. وفراغ نفسي وعاطفي وروحي شديد القسوة.


    ولدت ميّ أو ماري إلياس زيادة وهذا هو اسمها الحقيقي في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1886 لأب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية .. وقضت سنوات عمرها الأولى في مدارس داخلية في لبنان , ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر في عام 1908 .. كان عمرها اثنين وعشرين عاماً .. فتاة في ريعان الشباب .. وظلت في مصر – التي كانت تعتبرها وطنها الأساسي- حتى توفيت في 18 اكتوبر عام 1941 .


    لن أحدثكم عن غصة مي وشعورها بعدم انتمائها إلى إي بلد من البلدان الثلاثة لبنان فلسطين مصر

    ولا عن قدومها مع والدها إلى مصر التي احتضنت نبوغها الفكري حيث أصبح ظاهر أدبية يجتمع حولها كبار الأدباء في صالون مي الأدبي

    أو عن قصة الحب الغريبة العجيبة التي لم يعشها في هذا الكون ربما سوى مي و جبران والتي استمرت لمدة تسعة عشر عاما من الوفاء والعذاب
    الإشتياق والحرمان...اللقاء والفراق.. فقط على الورق

    ولاعن مواقف هؤلاء الرجال الذين لم ينصفوها ولم يعرفوها من الداخل
    فقد انبهروا بسحرها الخاص ونسوا الإنسانة والمبدعة

    سأتحدث عن المؤامرة التي وقعت مي في شباكها
    وكانت السبب في مأساتها


    الفصل الأخير في حياة مي كان حافلاً بالمواجع والمفاجآت ! بدأ بفقد الأحباب واحداً تلو الآخر .. والدها عام 1929 . جبران عام 1931 . ثم والدتها عام 1932 .

    وعاشت مي صقيع الوحدة .. وبرودة هذا الفراغ الهائل
    فسافرت في عام 1932 إلى انجلترا أملاً في أن تغيير المكان والجو الذي تعيش فيه ربما يخفف قليلاً من آلامها .. لكن حتى السفر لم يكن الدواء .. فقد عادت إلى مصر ثم سافرت مرة ثانية إلى إيطاليا لتتابع محاضرات في جامعة بروجية عن آثار اللغة الإيطالية .. ثم عادت إلى مصر .. وبعدها بقليل سافرت مرة أخرى إلى روما ثم عادت إلى مصر حيث استسلمت لأحزانها .. ورفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة .. وأنها في حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك من جديد .

    وجلست مي المليئة بالشفافية وحسن النية بالبشر تكتب إلى ابن عمها الدكتور جوزيف في لبنان وتخبره بحالتها ..

    يعرف الدكتور – ابن العم – بأن مي تنوي التبرع بمكتبتها النفيسة إلى الأمة المصرية بعد وفاتها عرفاناً منها بفضل مصر عليها .. كما أرادت أن تهدي النسخ المزدوجة من كل كتاب إلى الأمة اللبنانية .. وبدأت فعلاً تبحث عن المحامين لوضع هذه الوصية في سياق قانوني . فما كان من الأقارب الذين تحولوا في هذه الحالة إلى "عقارب" إلا أن أرسلوا إلى " مي" من يجمع المعلومات عنها .. وعن وضعها المالي وأملاكها في مصر !
    حتى جردوها من كل شيء


    ثم جاءها ابن عمها من لبنان بعد وفاة زوجته التي كانت مريضة .. وطلب منها أن تصحبه إلى لبنان لتغير جو الكآبة الذي تعيش فيه .. ووعدها بأن الدفء والناس الذين يحبونها في لبنان سيعوضونها عن فقد الأحباب ومشاعر الوحدة التي تعيشها في مصر بعد الحياة المليئة التي كانت تعيشها كنجمة في سماء الأدب

    حيث استطاع ابن عمها أن يأخذها إلى بيروت
    على أن تعود إلى بيتها بعد شهرين وأنها لن تبقى وحيدة في لبنان بل ستكون محاطة بعائلتها

    وتكمل مي من قصتها الباكية .. بعد سنوات المجد والشهرة .. فتقول :
    أخرجوني من بيتي قبل الساعة الرابعة بعد الظهر وأوصلوني إلى مكاني في القطار وغابوا عني فبقيت جالسة حتى عاد الدكتور والرجلان الآخران . وعندئذ قام القطار إذ نحن في منتصف الساعة السادسة . ومنذ الأسبوع الأول في بيروت ذكرت الدكتور بوعده وقلت إني أرغب في الرجوع إلى بيتي . فطيب خاطري .. وأبقاني عنده شهرين ونصف شهر على مضض مني وأنا أطالبه بالعودة . حتى استكمل برنامجه في أمري , فأرسلني إلى " العصفورية

    بحجة التغذية وباسم الحياة ألقاني أولئك الأقارب في دار المجانين أحتضر على مهل وأموت شيئاً فشيئاً . لست أدري إذا ما كان الموت السريع هيناً . أما الموت البطيء طيلة عشرة شهور وأسبوع من التغذية القهرية تارة من الفم بتقطيع لحمة الأسنان وطوراً من الأنف بواسطة التبريح ليصب ما يصب من الداخل نزولاً إلى الحلق فالصدر . فذلك موت لا أظن أن إنساناً يحتمل الإصغاء برباطة جأش إلى وصفه . ومع ذلك فكان أقاربي في زيارتهم النادرة يستمعون إليّ بسرور وأنا أصف نكالي وشقائي راجية منهم عبثاً أن يرحموني ويخرجوني من العصفورية .



    وجاء الفرج أخيراً بعد عامين من أقسى العذاب . جاء الفرج على يد الصحافة والصحفيين من أبناء مهنتها .. فقد كانت قضية إدخال مي زيادة مستشفى الأمراض العقلية " العصفورية" هي حديث الصحف والموضوع الذي يحتل مساحة كبيرة من اهتمام القراء في بيروت والقاهرة وأيضاً في بلاد المهجر . وشنت جريدة " المكشوف" حملة كبيرة حول هذا الموضوع .. وتابعت قصة مي خطوة بخطوة حتى استطاعت في عام 1938 أن تكشف المؤامرة ونشرت في الصفحة الأولى :

    بدأت مي تتكلم بلغة فصحى ممزوجة باللهجة المصرية , وبطلاقة لسان مدهشة . وأوقع شيء في النفس كان صوتها العذب , وإخراجها الكلمات هادئة بنبرات موسيقية حزينة .




    ويجيء أصعب موقف في حياة مي !

    تقف في " ست هول" بالجامعة الأمريكية في بيروت لتلقي محاضرة أمام جمهور غفير من قرائها الذين جاءوا بدافع الفضول , يريدون معرفة الحقيقة بأنفسهم بعد كل ما قيل وكتب عن مأساة مي وجنونها .


    ولم تكد مي تنتهي من محاضرتها التي سحرت الجمهور انبهاراً بقدراتها التحليلية , وثقافتها الطاغية , وملكاتها الناطقة في ربط الأفكار التي تطرحها بعضها ببعض ببساطة , ورؤيتها الحكيمة السابقة لعصرها . حتى ضجت القاعة بالتصفيق المتواصل الذي يفيض بالحماس والوفاء والتعاطف مع الأديبة والمفكرة المظلومة !

    انتصرت مي في هذه الجولة الصعبة .. ولكن الشروخ التي أصابت نفسها وقلبها ازدادت عمقاً . والإحساس بالأسى سيطر عليها وتمكن منها


    وانقضت الساعة الثامنة الكاملة الكاملة بدقائقها وثوانيها , وهي تلقي الدرر , وترصع جيد اللغة العربية بجواهر من الزمرد والياقوت والماس . فضج كل من في القاعة ضجة الإكبار والتعظيم , ووثبت القلوب واهتزت الجدران للتصفيق الداوي المستمر الذي لم تشأ الأيدي أن تكف عنه , وأخذ الناس يقول بعضهم لبعض : أتكون هذه الفتاة مجنونة وقد جننا بها , وإذا كانت هي المجنونة فهل نحن العقلاء ؟!.


    هكذا جاءت كلمة الحق أخيراً بعد أن تأخرت كثيراً .. وحاولت مي بعد ذلك لملمة نفسها التي بعثرتها الكوارث المتلاحقة في الفصل الأخير من حياتها .


    عادت مي عام 1939 إلى مصر بعد ثلاثة سنوات من العذاب قضتها في لبنان في مستشفى العصفورية لمدة عامين , ثم في مستشفى "ربيز" ثم في منزل ببيروت .



    وبدأ الانسحاب التدريجي من الحياة .. بفقدان الرغبة في كل شيء الطعام .. الشراب.. الحياة الاجتماعية . وهزل الجسد .. وبدأت أجهزته تصاب بالإنهيار إلى أن خمدت ودخلت مي في غيبوبة .. ونقلت إلى مستشفى المعادي بالقاهرة حيث بذلت جهود مكثفة من الأطباء لإنقاذ حياتها .. لكن القدر كان قد كتب كلمته .. ونفذت إرادة الله .. وفاضت روح مي الطاهرة في التاسع عشر من اكتوبر عام 1941 .


    وبهذا انتهت قصة حياة إنسانة فريدة في كل شيء ! في طفولتها البائسة .. في شبابها المتوهج بالعبقرية والنجاح والشهرة .. في حبها المحروم .. في انسحاب الحياة بكل جمالها وبريقها من تحت قدميها فجأة .. ثم في نهايتها المأساوية التراجيدية المحزنة .

    وهي قصة لسيرة حياة تستحق أن تروى .. وأن تقرأها الأجيال ...!

    لكنها تركت رصيداً أدبياً يعد ثروة حقيقية تعكس قيمة هذه الأديبة الفريدة .

    فقد تركت مي حوالي أربعة عشر كتاباً هي :

    باحثة البادية " عن ملك حفني ناصف" - عائشة التيمورية - بين المد والجزر - سوانح فتاة - الصحائف - كلمات وإشارات - ظلمات وأشعة - ابتسامات ودموع - أزاهير حلم " شعر بالفرنسية" - المساواة - وردة اليازجي - غاية الحياة - الوفاء في العذاب - رجوع الموجة

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 23 أكتوبر 2017, 10:47 pm